رمضان فرصة الزمان، وأيامه أفضل الأيام، وساعاته أنفس الساعات وأغلى الأوقات.. وإذا كان الوقت نعمة في غير رمضان، فكيف يكون في رمضان؟
وأهل التجارة مع الله يرون في رمضان مشروع العام.. وقد اتفق العقلاء على أن أي مشروع ناجح لابد له من أهداف واضحة، وخطة محكمة ومتقنة لتحقيق هذه الأهداف، فكل عمل بلا تخطيط إنما هو تخبيط وتخليط.
ورمضان أغلى من أن يترك بلا خطة، أو يترك للظروف تسير الإنسان فيه كيفما وحيثما اتفق.. فلابد إذن من خطة محكمة، لتحقيق أهداف واضحة، للحصول على ثمرة نافعة. وهذا ما يمكن أن نسميه "هندسة العبادة في رمضان".
ومعلوم أن الناس متفاوتون في إيمانهم، وفي مقاصدهم، وفي استعداداتهم، وفي قدراتهم على العبادة والصبر عليها، والفرق بين الهمم كالفرق ما بين السماء والأرض، لكن مع ذلك تبقى رحمة الله واسعة تسع كل عامل، ويبقى باب الله مفتوحا لكل داخل، والموفق من وفقه الله.
ونحن هنا نقترح خطتين صيغتا بميزان "الإتقان والإمكان والإحسان"، لتناسب اختلاف الهمم، خطة للمبتدئ المقتصد، وأخرى للسابق بالخيرات والمجتهد، هي في نظرنا اختيارات من باب التسهيل لترتيب الأوقات، يختار منها كل واحد ما يناسبه، أو يعمل بها إن رآها مناسبة، أو يعدل فيها بقدر ما يتوافق مع أمنياته، ويحقق له مراداته:
أولاً: خطة "المقتصد" (متوسط الهمة)
وهي خطة تركز على "إتقان الفرائض" مع نوافل غير شاقة تضمن لصاحبها ألا يخرج من رمضان صِفر اليدين.
• شعارها: (سدِّدوا وقارِبوا)، وترتيب يومها كالتالي:
• الأساس الأول: المحافظة على الصلوات الخمس في جماعة في المسجد مع المصلين.
• المحافظة على السنن الرواتب: وهي عشر ركعات: اثنتان قبل الفجر، واثنتان قبل الظهر ومثلهما بعده، واثنتان بعد المغرب، واثنتان بعد العشاء مع الوتر، وهذه تصلى غالبا مع الإمام في التراويح.
• الفجر والصباح: صلاة الفجر في جماعة، ثم الجلوس 15 دقيقة فقط لقراءة أذكار الصباح و"حزب" يومي من القرآن (نصف جزء). ثم الانطلاق للعمل بنية "العبادة".
• أثناء العمل: اتقان العمل، وأداء المهام المطلوبة، فإن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه.
ثم استثمار "الأوقات البينية" بذكر اللسان (استغفار وتسبيح) دون إخلال بالوظيفة.
• قبل الغروب: تخصيص 10 ـ 15 دقيقة فقط للدعاء، فهي ساعة إجابة لا تُرد. فإن زاد فهو خير.
• التراويح: صلاة التراويح مع الإمام (حتى لو في المسجد الذي يصلي بقدر يسير) لُيكتب له "قيام ليلة".
• القرآن: الالتزام بختمة واحدة طوال الشهر (جزء يومياً)، تُقسم على الصلوات الخمس (4 صفحات بعد كل صلاة)، فإن وجد خفة وأراد الزيادة فليجعلها ختمتين، وليضاعف المقدار المقروء.
• الإحسان: إفطار صائم واحد (ولو بوجبة، فإن لم يجد فببعض تمرات).
• إحسان الخلق، وكفّ اللسان عن الغيبة واللغو، وكف النفس والجوارح عن كل ما يفسد الصوم أو يقلل أجره.
ثانياً: خطة "السابق بالخيرات" (لعالي الهمة)
وهي خطة "إحسان" تهدف إلى الاستغراق الكامل في كينونة العبادة، واستفراغ الجهد لنيل الفردوس.
• شعارها: (وعجلتُ إليك ربي لترضی).. وأعمالها المقترحة:
• السحر: الاستيقاظ قبل الفجر بساعة أو أكثر (وقت النزول الإلهي) للصلاة والاستغفار بالأسحار.
• الفجر والجلوس إلى الشروق: الذهاب مبكرا لصلاة الفجر في المسجد، ثم الجلوس في "محرابه" لذكر الله وتلاوة القرآن حتى الشروق (وصلاة ركعتين) ليحوز أجر حجة وعمرة تامة.
• المحافظة على السنن: الرواتب والمستحبات: اثنتان قبل الفجر، و أربع قبل الظهر ومثلها بعده، واثنتان بعد المغرب، واثنتان بعد العشاء مع الوتر، وكذلك ما بين الصلوات "ما بين كل أذانين صلاة".
• صلاة الضحى: فأهل السباق لا يفوتون مثل هذه الفرص، وهي ما بين ركعتين إلى ثمان ركعات، حسب الهمم.
• الصباح والعمل: العمل بنشاط وهمة (عمارة الأرض)، مع صيام الجوارح الكامل (صيام القلب عن الالتفات لغير الله، وصيام اللسان عن غير الذكر والنفع، وصيام الجوارح).
• بعد العصر: "الاعتكاف الجزئي" في المسجد أو مصلاه بالمنزل لمدارسة القرآن (ثلاث ختمات ـ على الأقل ـ في الشهر إلى خمس) بمعدل 3 ـ 5 أجزاء يومياً، حسب همته. مع التنويه أنه يريد أن يكون مع السابقين.
• الدعاء قبل المغرب: التفرغ التام للابتهال والانكسار بين يدي الله؛ وكثرة التذلل والدعاء؛ ففي هذه الساعة تُعتق الرقاب.
• الليل والقيام: صلاة التراويح كاملة، ثم حسن استعمال الوقت إلى أن يحين وقت نومه بنية التقوي على العبادة، ثم القيام في ثلث الليل الآخر بـ "تهجد" طويل يرتل فيه ما تيسر من القرآن بتدبر وبكاء.
• الإحسان المتعدي: "صدقة يومية" خفية، السعي في حاجة أرملة أو مسكين، الصمت الدائم إلا عن ذكر الله أو نفع الناس.
• الاعتكاف: الكامل في العشر الأواخر، والاجتهاد الجاد وبذل الجهد، وإظهار الرغبة في العتق من النار.
قواعد ذهبية للخطتين
1. قاعدة التخلية: لا تأتي التحلية إلا بعد التخلية، فلابد من تطهير القلب بتوبة تحفظه عن الشواغل، وتوفير الوقت بترك بعض ما كان يسرقه، ليمكنك إعماره بخطتك، وطاعة ربك (خصوصا الجوّال سارق رمضان الأكبر).
2. الكيف قبل الكم: العملَ عند الله على ميزانٌ الإحسان والإتقان {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، وليس "أكثر عملا"، فالعمل بجوهره لا بمظهره، وبميزانه لا بعدده، وبكيفه قبل كمه؛ فابحث عن العمل الأتقى والأرضي لله، والأنفع لقلبك.
3. قاعدة الاستمرارية: "أحب العمل إلى الله أدومه"؛ اختر الخطة التي تستطيع إكمالها آخر ليلة كما بدأتها أول ليلة.
4. قاعدة الانكسار: اخرج من يومك دائماً وأنت تظن أنك مقصر، فـ "رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خيرٌ من طاعة أورثت عزاً واستكباراً".
يا باغي الخير أقبل..
وفي النهاية فإن رمضان ينادي على الناس نداءه العظيم: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.
فأقبل على طاعة الله فهذا أوان الطاعة، واختر من الأعمال ما يناسب حالك، بحيث لا تمل ولا تضجر. وإن لم تجد ضالتك في أي من الخطتين، فاجعل لنفسك خطة توافقك وتناسبك وتصل بك إلى مبتغاك من رمضان، وتذكر دائما أنها "أيام معدودات".
المقالات
الأكثر مشاهدة اليوم

