السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لدي سؤال دائم في عقلي: لماذا يموت بعض الناس من الحزن على المتوفى مثلاً؟ إذا كان الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، أم أنا فهمت خطأ؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لدي سؤال دائم في عقلي: لماذا يموت بعض الناس من الحزن على المتوفى مثلاً؟ إذا كان الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، أم أنا فهمت خطأ؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ندى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يُيَسِّر لنا ولكِ تعلم ما ينفعنا ويفيدنا.
ونحن بداية نوصيكِ -ابنتنا الكريمة- بالحرص على تعلُّم الأهم ثم المهم، وأمور الدين التي تحتاجين إلى تعلمها كثيرة، فينبغي استغلال الأوقات في ما ينفع؛ امتثالًا لقول النبي ﷺ: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجزْ)).
وبخصوص هذا السؤال، نقول -ابنتنا الكريمة-: إن الموت مُقدَّر لا يتقدَّم ولا يتأخر، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}، ولا يموت الإنسان إلَّا بأجله وإن تعددت الأسباب، وموت الإنسان بسبب الحزن قد يقع، ولكنه كان سيموت في ذلك الوقت بهذا السبب أو بغيره.
والمؤمن يُعزِّي نفسه بما عزَّاه الله تعالى به في كتابه، ليطرد عن نفسه الأسى والأسف والحزن على ما ينزل به من مصائب، فقد قال الله في كتابه الكريم: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}.
فأخبرنا سبحانه في هذه الآية أن المصائب كلها قد كتبت في اللوح المحفوظ، وقد قدَّرها الله تعالى على هذا الإنسان، فإذا آمن الإنسان بهذه العقيدة فإنه لن يبالغ في الحزن، لأنه يعلم أن هذا شيء مُقدَّر ولا بد أن يقع، فلا يُفيد الحزن شيئًا في دفع هذه المصائب.
فهذه تعزية من الله تعالى لنا عن كل ما يُصيبنا من مصائب ليخفف عنا الحزن، والمؤمن يتذكَّر هذا ويتذكَّر أن الآجال مقدرة محدودة، وأن الموت ما هو إلَّا انتقال من حياة إلى حياة أخرى هي الحياة الدائمة الأبدية، وأن المؤمن ينتقل من تعب الدنيا وشقائها إلى راحة الآخرة وثوابها، فيستعد لهذا الانتقال وهذه الرحلة بأفضل ما يَقدِر عليه من الأعمال الصالحة.
فهذا حال المؤمن الذي عرف حقيقة الموت، وآمن بقدر الله سبحانه وتعالى، فلا يشغله شيء عن شيء، وإن كان الحزن أمرًا طبيعيًا بمقتضى الجبلة البشرية والطبيعة الإنسانية، فإن الإنسان يحزن لمفارقة مَن يحب، ولكن المؤمن يُدرك أن هذا الفراق فراق قصير، وسيلتقي مع أحبابه بعد ذلك فيهون عليه الأمر، وينتقل إلى الاشتغال بما هو أهم، وهو الاستعداد لهذه الرحلة، والانتقال من هذه الدنيا بأفضل ما يجد من عمل.
وقولكِ: (لا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها) كلام صحيح، فالله تعالى يكلف الإنسان بما يدخل تحت قدرته وطاقته، ولم يكلفنا -سبحانه وتعالى- الحزن على موت الميت، ولكنه يعذرنا -سبحانه وتعالى- حين نحزن؛ لأنه يعلم طبيعتنا وهو الذي خلقنا.
فغاية ما في الأمر أن الله -سبحانه وتعالى- يسامحنا ويعفو عمّا يحصل في قلوبنا من الحزن، أو ما يحصل من البكاء على الميت، ما لم نقع في شيء من المحرمات التي نهانا الله -سبحانه وتعالى- عنها، مثل شق الثياب، ونتف الشعر، وإظهار مظاهر التسخط على قدر الله تعالى، والجزع ممًّا كتبه علينا، فهذه الأمور هي التي حرمها الله سبحانه وتعالى، فما لم نقع فيها فإن الله تعالى يعفو عمَّا يكون منا من الحزن والبكاء، كما أخبرنا رسولنا ﷺ فقال: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا)) وأشار إلى لسانه ((أَوْ يَرْحَمُ)).
نسأل الله أن يوفقنا وإيَّاكِ لكل خير.