فصل في
nindex.php?page=treesubj&link=28676_29428_29430_29530تعريف العبادة وذكر بعض أنواعها وأن من صرف منها شيئا لغير الله فقد أشرك
قد عرفت مما قدمنا في معنى لا إله إلا الله أن الإله هو المألوه الذي تألهه القلوب أي تعبده محبة وتذللا وخوفا ورجاء ورغبا ورهبا وتوكلا عليه واطراحا بين يديه واستعانة به والتجاء إليه وافتقارا إليه ، وذلك لا ينبغي إلا لله عز وجل خالق كل شيء ومصوره ومصرفه ومدبره مبدى الخلق ومعيده ، ومحييه ومبيده ، الفعال لما يريد الذي هو على كل شيء شهيد ، الذي لا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، (
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=107وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ) (
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=2ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده )
[ ص: 435 ] (
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=15ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=16إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=17وما ذلك على الله بعزيز ) . والعبد إن أريد به المعبد أي المذلل المسخر دخل فيه جميع المخلوقات من جميع العالم العلوي والسفلي من عاقل وغيره ومن رطب ويابس ومتحرك وساكن وظاهر وكامن ومؤمن وكافر وبر وفاجر وغير ذلك ، الكل مخلوق لله عز وجل مسخر بتسخيره مدبر بتدبيره ، ولكل منها رسم يقف عليه وحد ينتهي إليه ، (
nindex.php?page=tafseer&surano=36&ayano=40لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ) ( يس : 40 ) كل يجري لأجل مسمى لا يتجاوزه مثقال ذرة ، ذلك تقدير العليم ، وتدبير العدل الحكيم . وإن أريد به العابد خص ذلك بالمؤمنين وإن كان أكثر المشركين يعبدون الله عز وجل ويتقربون إليه بكثير من العبادات ، لكن لما عبدوا مع الله غيره وأشركوه معه في إلهيته كانت أعمالهم هباء منثورا (
nindex.php?page=tafseer&surano=14&ayano=18كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ) ( إبراهيم : 18 ) ، و (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=264كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا ) ( البقرة : 264 ) ، و (
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=39كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) ( النور : 39 ) ، (
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=40أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) ( النور : 40 ) .
ذلك بأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله و (
nindex.php?page=tafseer&surano=47&ayano=28اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ) ( محمد : 28 ) ، وتولوا الطاغوت فأخرجوهم من النور إلى الظلمات وعبدوا الشيطان وقد عهد الله إليهم أن لا يعبدوه وبين لهم عداوته وقال : (
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=6إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) ( فاطر : 6 ) وقال : (
nindex.php?page=tafseer&surano=18&ayano=50أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) ( الكهف : 50 ) فخالفوا أمر الله وتولوا أعداءه وكذبوا رسله وأنبياءه وحاربوا حزبه وأولياءه . وأرادوا تشييد الكفر وإعلاءه ورد الحق وإباءه . فأبى الله عز وجل إلا أن يتم نوره ويظهر دينه ويعلي كلمته وينصر أولياءه ويحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ، ويجعل حزبه هم الغالبين ويجعل
[ ص: 436 ] العاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين .
لكن المؤمنون هم عباده حقا الذين أفردوه بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته ولم يشبهوه بشيء من خلقه ، ولم يسووا من خلقه به ، أولئك الذين تضاعف لهم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، كما قال تعالى في الأولى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=160من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) ( الأنعام : 160 ) وقال في الثانية : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=261مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ) ( البقرة : 261 ) وقال في الثالثة : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=245من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون ) ( البقرة : 245 ) تولوا الله فأخرجهم من الظلمات إلى النور ; أخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، ومن ظلمات الضلال إلى نور الهدى ، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم ، ومن ظلمات الغي إلى نور الرشاد ، (
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=56ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) ( المائدة : 56 ) ملأ الله قلوبهم بنور معرفته ومحبته والشوق إلى لقائه فلم ، تتسع لغيره . دنا الشيطان من قلوبهم فاحترق بنور إيمانهم ، فنكص على عقبه خاسئا حسيرا وأيس منهم أن يطيعوه ، فانقلب مذموما مدحورا . فعند ذلك عزى نفسه اللعين وقال : (
nindex.php?page=tafseer&surano=15&ayano=40إلا عبادك منهم المخلصين ) ( الحجر : 40 ) وقال عز وجل : (
nindex.php?page=tafseer&surano=15&ayano=42إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) ( الحجر : 42 ) حفظوا الله فحفظهم ، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه فلم ينكثوا أيمانهم ، تعرفوا إلى الله في الرخاء بالعبادة فعرفهم في الشدة بالفرج ، وصدقوا رسله وآمنوا بكتابه وانقادوا لأمره ، وانكفوا عما نهى عنه ثم تجردوا لنصرة دينه وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيله ، ودخل الناس بذلك في دين الله أفواجا طوعا وكرها ، وقادوهم إلى الجنة بالسلاسل . نصروا الله فنصرهم وشكروه فشكرهم وذكروه فذكرهم . عرفوا ما خلقوا له فأقبلوا عليه ورأوا ما سواه مما لا يعنيهم ، فلم يلتفتوا إليه وآثروا ما يبقى على ما يفنى وتعلقت أرواحهم بالرفيق الأعلى ، أولئك هم خاصة الله من خلقه والمصطفون من عباده ، أولئك هم أولياؤه المتقون وحزبه الغالبون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ليوفيهم
[ ص: 437 ] أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور .
فَصْلٌ فِي
nindex.php?page=treesubj&link=28676_29428_29430_29530تَعْرِيفِ الْعِبَادَةِ وَذِكْرِ بَعْضِ أَنْوَاعِهَا وَأَنَّ مَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ
قَدْ عَرَفْتَ مِمَّا قَدَّمْنَا فِي مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَأْلُوهُ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ أَيْ تَعْبُدُهُ مَحَبَّةً وَتَذَلُّلًا وَخَوْفًا وَرَجَاءً وَرَغَبًا وَرَهَبًا وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ وَاطِّرَاحًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتِعَانَةً بِهِ وَالْتِجَاءً إِلَيْهِ وَافْتِقَارًا إِلَيْهِ ، وَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَالِقِ كُلِّ شَيْءٍ وَمُصَوِّرِهِ وَمُصَرِّفِهِ وَمُدَبِّرِهِ مُبْدِى الْخَلْقِ وَمُعِيدِهِ ، وَمُحْيِيهِ وَمُبِيدِهِ ، الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ الَّذِي هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ، الَّذِي لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، (
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=107وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ) (
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=2مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ )
[ ص: 435 ] (
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=15يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=16إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=17وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ) . وَالْعَبْدُ إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمُعَبَّدُ أَيِ الْمُذَلَّلُ الْمُسَخَّرُ دَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ جَمِيعِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مِنْ عَاقِلٍ وَغَيْرِهِ وَمِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَمُتَحَرِّكٍ وَسَاكِنٍ وَظَاهِرٍ وَكَامِنٍ وَمُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَبَرٍّ وَفَاجِرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، الْكُلُّ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُسَخَّرٌ بِتَسْخِيرِهِ مُدَبَّرٌ بِتَدْبِيرِهِ ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا رَسْمٌ يَقِفُ عَلَيْهِ وَحَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ ، (
nindex.php?page=tafseer&surano=36&ayano=40لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ) ( يس : 40 ) كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى لَا يَتَجَاوَزُهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَلِيمِ ، وَتَدْبِيرُ الْعَدْلِ الْحَكِيمِ . وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْعَابِدُ خُصَّ ذَلِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ الْمُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ بِكَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ ، لَكِنْ لَمَّا عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ وَأَشْرَكُوهُ مَعَهُ فِي إِلَهِيَّتِهِ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ هَبَاءً مَنْثُورًا (
nindex.php?page=tafseer&surano=14&ayano=18كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ) ( إِبْرَاهِيمَ : 18 ) ، وَ (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=264كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ) ( الْبَقَرَةِ : 264 ) ، وَ (
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=39كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ) ( النُّورِ : 39 ) ، (
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=40أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) ( النُّورٍ : 40 ) .
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ (
nindex.php?page=tafseer&surano=47&ayano=28اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) ( مُحَمَّدٍ : 28 ) ، وَتَوَلَّوُا الطَّاغُوتَ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ وَعَبَدُوا الشَّيْطَانَ وَقَدْ عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَنْ لَا يَعْبُدُوهُ وَبَيَّنَ لَهُمْ عَدَاوَتَهُ وَقَالَ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=35&ayano=6إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ( فَاطِرٍ : 6 ) وَقَالَ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=18&ayano=50أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ) ( الْكَهْفِ : 50 ) فَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ وَتَوَلَّوْا أَعْدَاءَهُ وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ وَحَارَبُوا حِزْبَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ . وَأَرَادُوا تَشْيِيدَ الْكُفْرِ وَإِعْلَاءَهُ وَرَدَّ الْحَقِّ وَإِبَاءَهُ . فَأَبَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَيُظْهِرَ دِينَهُ وَيُعْلِيَ كَلِمَتَهُ وَيَنْصُرَ أَوْلِيَاءَهُ وَيُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ، وَيَجْعَلَ حِزْبَهُ هُمُ الْغَالِبِينَ وَيَجْعَلَ
[ ص: 436 ] الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ .
لَكِنِ الْمُؤْمِنُونَ هُمْ عِبَادُهُ حَقًّا الَّذِينَ أَفْرَدُوهُ بِإِلَهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلَمْ يُشَبِّهُوهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ ، وَلَمْ يُسَوُّوا مَنْ خَلَقَهُ بِهِ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ تُضَاعَفُ لَهُمُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْأُولَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=160مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) ( الْأَنْعَامِ : 160 ) وَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=261مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ( الْبَقَرَةِ : 261 ) وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=245مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ( الْبَقَرَةِ : 245 ) تَوَلَّوُا اللَّهَ فَأَخْرَجَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ; أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ ، وَمِنْ ظُلُمَاتِ الضَّلَالِ إِلَى نُورِ الْهُدَى ، وَمِنْ ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ إِلَى نُورِ الْعِلْمِ ، وَمِنْ ظُلُمَاتِ الْغَيِّ إِلَى نُورِ الرَّشَادِ ، (
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=56وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) ( الْمَائِدَةِ : 56 ) مَلَأَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِنُورِ مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِهِ فَلَمْ ، تَتَّسِعُ لِغَيْرِهِ . دَنَا الشَّيْطَانُ مِنْ قُلُوبِهِمْ فَاحْتَرَقَ بِنُورِ إِيمَانِهِمْ ، فَنَكَصَ عَلَى عَقِبِهِ خَاسِئًا حَسِيرًا وَأَيِسَ مِنْهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ ، فَانْقَلَبَ مَذْمُومًا مَدْحُورًا . فَعِنْدَ ذَلِكَ عَزَّى نَفْسَهُ اللَّعِينُ وَقَالَ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=15&ayano=40إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) ( الْحِجْرِ : 40 ) وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=15&ayano=42إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) ( الْحِجْرِ : 42 ) حَفِظُوا اللَّهَ فَحَفِظَهُمْ ، وَصَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْكُثُوا أَيْمَانَهُمْ ، تَعَرَّفُوا إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ بِالْعِبَادَةِ فَعَرَفَهُمْ فِي الشِّدَّةِ بِالْفَرَجِ ، وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ وَآمَنُوا بِكِتَابِهِ وَانْقَادُوا لِأَمْرِهِ ، وَانْكَفُّوا عَمَّا نَهَى عَنْهُ ثُمَّ تَجَرَّدُوا لِنُصْرَةِ دِينِهِ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِهِ ، وَدَخَلَ النَّاسُ بِذَلِكَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا طَوْعًا وَكَرْهًا ، وَقَادُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ بِالسَّلَاسِلِ . نَصَرُوا اللَّهَ فَنَصَرَهُمْ وَشَكَرُوهُ فَشَكَرَهُمْ وَذَكَرُوهُ فَذَكَرَهُمْ . عَرَفُوا مَا خُلِقُوا لَهُ فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَرَأَوْا مَا سِوَاهُ مِمَّا لَا يَعْنِيهِمْ ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ وَآثَرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى وَتَعَلَّقَتْ أَرْوَاحُهُمْ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى ، أُولَئِكَ هُمْ خَاصَّةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ وَالْمُصْطَفَوْنَ مِنْ عِبَادِهِ ، أُولَئِكَ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ الْمُتَّقُونَ وَحِزْبُهُ الْغَالِبُونَ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، لِيُوَفِّيَهُمْ
[ ص: 437 ] أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مَنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ .