الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أرفض الزواج من الأقارب ولا أدري كيف أتقدم للخطوبة وأنا يتيم الأبوين!!!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب عمري اثنان وعشرون عامًا، تخرّجت حديثًا، وسوف أبدأ العمل قريبًا بفضل الله، كانت نيّتي الزواج منذ بداية الدراسة، لكن لم يكن لدي ما يكفي من المال، ولم ألتقِ بالفتاة الصالحة التي أتمناها، علمًا أنّي يتيم الأب والأم منذ صغري، وأشكر الله الذي رعاني، فهو لا ينسى أحدًا من فضله.

سؤالي إليكم:
1. بما أنّي يتيم الأب والأم، لو وجدت فتاة مناسبة، كيف أتقدّم لخطبتها إن لم يكن لدي أب أو أم يذهبان معي؟

2. أنا رفضت الزواج من الأقارب، لأنّي أريد تجنّب المشاكل، وقد أوصتني جدّتي الحبيبة بعدم الزواج من أقاربنا، ورأت أنّ ذلك من الحكمة، كما أنّي لم أجد الزوجة الصالحة التي تناسبني من أقاربي، وكل خالاتي وعمّاتي لديهنَّ بنات، لذا لا يمكنني سؤالهنَّ عن مساعدتي في الزواج من غيرهم، علمًا أنّ كثيرًا منهم عرضوا عليّ الزواج من بناتهم، لأنّهم يرونني مناسبًا وملتزمًا بفضل الله، لكنّي لا أرغب حقًّا في ذلك.

3. أتمنّى الزواج من زوجة صالحة تحبّ الله، وملتزمة، فهل يمكنني أن أسأل فتاة ألتقي بها في الطريق عن رقم والدها أو والدتها للتقدّم لخطبتها، أم أنّ هذا ليس من الحكمة، لأنّي لا أعرف عنها شيئًا؟

أنا محتار، وأعلم أنّي لو اتّقيت الله -سبحانه وتعالى- فسوف يجعل لي مخرجًا ويرزقني من حيث لا أحتسب، وأنا أجتهد بفضل الله في ذلك، ولا أختلط بالفتيات عمومًا إلَّا بمحارمي، لكن أخشى أنني لم أسع في الأمر بجدّية كافية، فما الذي علي فعله؟

أريد الحلال ورضا الله تعالى، لكنّي في حيرة شديدة، ولا أعرف شخصًا موثوقًا يمكنني الاعتماد عليه أو طلب مساعدته، علمًا أنّي سوف أصبر بإذن الله، وأحاول جمع ما يكفي من المال، فما هو توجيهكم لي؟

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمود .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في إسلام ويب، ونسألُ اللهَ أن يجبرَ يُتمك، وأن يُعوِّضك عن فقدِ والديك خيرًا، وأن يرزقك زوجةً صالحةً تكون لك سكنًا ورحمةً، وأن يجعل لك من أمرك رشدًا.

كلامك يدلُّ على عقلٍ راشدٍ، وحرصٍ على الحلال، وهذا وحده نعمةٌ عظيمةٌ، ودعنا نُجيبك نقطةً نقطةً:

أولًا: كيف تتقدَّم للخطبة وأنت يتيم الأب والأم؟
غيابُ الوالدين لا يمنعك من الزواج، ولا ينقص من مكانتك شيئًا، فكثيرٌ من الرجال يتقدَّمون بأنفسهم، وهذا جائزٌ عرفًا وشرعًا، ويمكنك أن تذهب بنفسك لبيت الفتاة مع رجلٍ كبيرٍ موثوقٍ: عمّ، خال، جدّ، قريب، وإن لم يوجد قريبٌ مناسب، يمكن لرجلٍ صالحٍ من أهل الحي أو إمام المسجد أن يُرافقك، وهذا أمرٌ معتادٌ ومحترمٌ، المهم أن تدخل من الباب، بخطابٍ واضحٍ: أنا جئتُ طالبًا الحلال، فاليُتم لا يعيبك، بل قد يزيدك وقارًا إن كنتَ مستقيمًا.

ثانيًا: رفضك الزواج من الأقارب؟
ليس واجبًا عليك الزواج من الأقارب إن لم تطمئن، فلا تُجبر نفسك، ووصيَّة جدَّتك بالحكمة لا تعني التحريم، لكنه اجتهادٌ مبنيٌّ على تجارب، وما دمتَ ترى أن نفسك لا تميل، فلا تدخل زواجًا وأنت غير مقتنع؛ لأن الزواج يحتاج قناعةً كاملةً، ولا حرج أن تعتذر بلطفٍ لمن عرض عليك بناته، دون أن تجرح أحدًا.

ثالثًا: هل تسأل فتاةً في الطريق عن رقم والدها؟
الأصل أن طريق الزواج ليس التعرُّف العشوائي في الشارع، فهذا فعلٌ غير حكيمٍ؛ لأنك لا تعرف عنها شيئًا، وقد يسبِّب ذلك حرجًا أو سوء فهمٍ، والطريق الأصحّ:
- اسأل أهل الصلاح في المسجد.
- اطلب من إمام المسجد أن يدلَّك على أسرةٍ صالحةٍ.
- أخبر كبار العائلة أو الجيران أنك تبحث عن زوجةٍ صالحةٍ.
- استعِن بصديقٍ متزوِّجٍ عاقلٍ يعرف أُسرًا مستقيمةً.

رابعًا: هل أنت مقصِّرٌ في السعي؟
السعي له صورتان:
- سعيٌ قلبيٌّ: وذلك بالدعاء، وبالصلاح، وبالاستقامة.
- سعيٌ عمليٌّ: وذلك بالسؤال، وبالبحث، وبطرق الأبواب.
أنت تقوم بالأول جيدًا، ويبقى أن تبدأ بالثاني بهدوءٍ ومنهجٍ.

خامسًا: لا تتعجَّل أمرك، فأنت في عمر 22، وفي بداية العمل، والأفضل لك أن تستقرَّ ماديًّا قليلًا، ولو لمدة سنةً أو سنتين، تجمع مبلغًا يكفي لبدايةٍ محترمةٍ، حتى تدخل الزواج وأنت مطمئنٌّ، فقد قال النبيُّ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّج».

سادسًا: إليك خطةٌ عمليَّةٌ واضحةٌ اعمل بها:
1- ثبِّت عملك واستقرَّ ماليًّا.
2- اجعل لك وِردَ دعاءٍ يوميًّا بالزوجة الصالحة.
3- أخبر ثلاثةَ رجالٍ صالحين أنك تبحث عن زوجةٍ.
4- لا تدخل في محادثاتٍ خاصَّةٍ طويلةٍ مع أيِّ فتاةٍ.
5- إذا عُرضت عليك فتاةٌ، اسأل عن دينها وأهلها قبل أيِّ تعلُّقٍ.

سابعًا: لا تجعل اليُتم شعورَ نقصٍ؛ فأنت رجلٌ بنفسك، وكثيرٌ من النساء الصالحات يُفضِّلن الرجلَ المستقلَّ الناضجَ الذي بنى نفسه.

ثامنًا: لا تبحث عن المثاليَّة المفرطة، واطلب ذاتَ الدين، وحُسنَ الخُلُق، والاستقرارَ النفسيَّ، ولا تبحث عن صورةٍ خياليَّةٍ.

تاسعًا: توكَّل على الله بلا قلقٍ، واعلم أن الرزقُ مقسومٌ، والزواجُ من الأرزاق، واطلب رزق الله بتقوى الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ثم قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ ‌قَدْ ‌جَعَلَ ‌اللَّهُ ‌لِكُلِّ ‌شَيْءٍ ‌قَدْراً﴾، فقد يفتحُ اللهُ لك بابًا من حيث لا تتوقَّع، لكن بعد أن تتحرَّك.

نسألُ اللهَ أن يرزقك زوجةً صالحةً، تقرُّ بها عينك، وتكون لك سكنًا وعونًا على طاعته، واللهُ الموفِّق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً