الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف يجمع المسلم ويوازن بين الدين والدنيا؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عندي سؤال في مسألة التوازن بين الدين والدنيا؛ فإذا كان لدى شخص ثلاث ساعات للعمل، خصص منها ساعتين للعبادة، آملاً أن يبارك الله له في الساعة المتبقية، لكنه لم ينجز مهامه، وفي المقابل شخص آخر اكتفى بالفروض وأتمَّ ساعات عمله كاملة فأنهى ما عليه؛ أيهما أفضل؟ وكيف أجمع بين الأمرين؟ فأنا أقصر في شؤون دنياي بسبب شعوري الدائم بتأنيب الضمير تجاه الآخرة.

كيف أوازن بين الدين والدنيا؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب. نشكر لك تواصلك بالموقع، ونشكر لك همتك أيضًا وعلو هذه الهمة في الجمع بين الدين والدنيا، وهذا من رجاحة عقلك وحُسن إسلامك، وهو من توفيق الله تعالى لك أيضًا، فنسأل الله تعالى أن يزيدك هدًى وتوفيقًا وصلاحًا.

وقد أحسنت -أيها الحبيب- حين أدركت أن الإنسان المؤمن مطالب بأن يوازن بين الدين والدنيا، وهذه الموازنة تُصبح سهلةً ويسيرةً، وتُصبح الدنيا كلها عبادةً من العبادات، ويتحقق له الانتفاع بها على الوجه الذي ينفعه في العاجل والآجل، فالدنيا ما هي إلَّا مزرعة يزرع فيها الإنسان ثم يحصد في الآخرة، فكلُّ تصرفاتنا وحركاتنا في هذه الدنيا تنقلب إلى عبادات إذا صاحبتها النيات الصالحة؛ ولذلك يقول العلماء: (النية تُحوّل العادة إلى عبادة).

والأحاديث النبوية كثيرة جدًّا تشهد لهذا، فقد أخبرنا أن ما يضعه الإنسان في فم امرأته من الطعام والنفقة صدقة يؤجر عليها، وأخبرنا أن الإنسان إذا قضى شهوته بجماع زوجته أُجر على ذلك؛ لأنه تجنب الحرام.

وهكذا تصبح الحياة كلها عبادات، فكسب الإنسان للقمة عيشه ليعف نفسه بالحلال، ويعف مَن ينفق عليهم من الآباء والأمهات والأولاد والزوجات؛ الكسب لإعالة نفسه وإعالة هؤلاء يُصبح عبادةً، وقد ورد أن رجلًا جَسيمًا (رَجُلٌ ضَخْمٌ له خَلْقٌ وجِسْمٌ)، له خَلقٌ عظيمٌ، مرَّ بالصحابة فقالوا: «لَوْ كَانَ هَذَا فِي سِبيل الله»، فقال ﷺ: «لعلَّه يكُدُّ على أبوَينِ شيخَينِ كبيرَينِ، فهو في سبيلِ اللهِ، ولعلَّه يكُدُّ على صِبيةٍ صِغارٍ فهو في سبيلِ اللهِ، ولعلَّه يكُدُّ على نَفسِه، يُغنيها عن النَّاسِ، فهو في سبيلِ اللهِ» (رواه الدارقطني، وابن أبي حاتم)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

وأشاد النبي ﷺ بمن بات وهو كالٌّ من عمل يده، وقد أثنى الله تعالى في القرآن على الحجاج الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

وبهذا تُدرك -أيها الحبيب- أنه لا انفصال بين الدين والدنيا في تفكير الإنسان المسلم، بل الدنيا مطيَّة ومركب يركب عليه حتى يصل إلى أعلى الدرجات في الجنة، ويُوظِّف هذه الدنيا فيما ينفعه عند الله تعالى.

والعبادات الخاصة التي لها أثرٌ بالغٌ على قلب الإنسان وسلوكه، لا بد له أن يجتهد فيها ويهتمَّ بها ويأخذ قسطه منها؛ كالصلاة، والصوم، والذكر، والإحسان إلى الناس بالصدقات ونحوها؛ فهذه العبادات هي زاد الروح وهي قوت القلب، وبها تحصل للنفس السكينة وللقلب الطمأنينة.

فينبغي للإنسان أن يجتهد في هذه العبادات بقدر استطاعته، وأهم ذلك أن يهتمَّ ويجتهد بأداء الفرائض أولاً، ثم يستكثر من النوافل بقدر طاقته وبما يسمح له وقته وجهده وعمله، وقد يبلغ الإنسان بنيته ما لا يبلغه بعمله.

فنحن نحثك -أيها الحبيب- على استغلال وقتك امتثالاً لقول النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَىٰ مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ»، ونحن نكرر في كل ركعة قول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

فاستعن بالله دومًا في تحقيق مطالبك الدنيوية والأخروية، ومن ذلك الاستعانة به على حسن عبادته، وقد قال الرسول ﷺ لمعاذ: «يَا مُعَاذُ إِنِّي أُحِبُّكَ، فَلَا تَدَعَنَّ أَنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ».

حاسب نفسك على الفرائض أولاً وأدِّها، واستكثر من النوافل بقدر طاقتك، وحَسِّن نيتك فيما تفعله من أعمال الدنيا ومنه الكسب الحلال، فهذه كلها تُصبح عبادات وتُصبح حسنات مُدَّخرة لك في صحائف أعمالك.

نسأل الله أن يوفقنا وإيّاك لكل خير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً